محكمة جنح مستأنف الخانكة
مذكرة بدفاع
المتهمين:
1- ………………………… … المتهم الأول- مستأنف
2- ……………………. ….… المتهم الثاني- مستأنف
ضــــــد
النيابة العامة …… سلطة اتهام
وذلك في الجنحة المستأنفة برقم ……… لسنة 2026 مستأنف – والمقيدة برقم …….. لسنة 2026 جنح الخانكة
والمحدد لنظرها جلسة الاحد الموافق 24 / 5 / 2026
الوقائع
تخلص واقعات الدعوى — على نحو موجز وبما يلائم نظرها استئنافياً — في أن النيابة العامة أسندت إلى المستأنفين وآخرين أنهم بتاريخ 3 يونيو 2023 بدائرة مركز الخانكة أدلوا بمعلومات غير صحيحة بشأن الواقعة المرتبطة بوفاة الطفلة ……….، وذلك — بحسب وصف الاتهام — بقصد إعانة المتهم الرئيسي/ ……….. على الفرار من وجه القضاء، وهي الواقعة التي عوقب عنها الأخير بالحبس ثلاث سنوات مع الشغل، وتأيد الحكم استئنافياً بموجب الاستئناف رقم ….. لسنة 2024 جنايات مستأنف بنها.
والثابت بالأوراق أن المستأنف الأول/ ………. هو شقيق المتهم الرئيسي، وأن المستأنف الثاني/ ……….. هو والده، بما يضع الأخير — وعلى فرض صحة الاتهام جدلاً — في نطاق الإعفاء المقرر بنص المادة 145 من قانون العقوبات باعتباره من أصول الجاني.
كما أن الثابت من التحقيقات أن الطبيبة/ …………، طبيبة الصحة التي باشرت توقيع الكشف الطبي على الطفلة، قررت أنها لم تتعرض لأي تضليل أو غش أو إيهام من جانب المستأنفين، وهو ما يتفق مع ما ورد بالتحريات ذاتها من وصفها بأنها حسنة النية.
ومن ثم فإن أوراق الدعوى، في حقيقتها، لا تكشف عن دليل يقيني يثبت أن المستأنفين قدما معلومات يعلمان عدم صحتها بقصد إعانة الجاني على الفرار، وإنما جاءت قائمة على تصور استنتاجي لا يعضده دليل مادي قاطع.
وإذ يستأذن الدفاع عدالة المحكمة الموقرة، فإنه يعرض أوجه دفاعه ودفوعه على النحو الآتي:
الدفاع بالتفصيل
الدفع الأول
انتفاء الركنين المادي والمعنوي للجريمة محل الاتهام لقيام حسن النية وثبوت أن المستأنفين استقيا المعلومات من المتهم الرئيسي دون علم بمخالفتها للحقيقة
من المستقر عليه فقهاً وقضاءً أن الجريمة المنصوص عليها بالمادة 145 من قانون العقوبات لا تقوم إلا بتوافر ركنين متلازمين:
أولهما: ركن مادي يتمثل في صدور فعل إيجابي من شأنه إعانة الجاني على الفرار أو تضليل جهات العدالة.
وثانيهما: ركن معنوي قوامه العلم اليقيني بعدم صحة المعلومات المقدمة واتجاه الإرادة إلى استعمالها بقصد تمكين الجاني من الإفلات من المساءلة الجنائية.
ومن ثم، فإن مجرد الإدلاء بمعلومات عن الواقعة لا يكفي لقيام الجريمة، ما لم يثبت أن المتهم كان يعلم يقيناً بمخالفة تلك المعلومات للحقيقة.
وبإنزال ذلك على الدعوى الماثلة، يتبين أن أوراقها قد خلت تماماً من أي دليل يفيد أن المستأنفين كانا يعلمان بعدم صحة ما صدرا عنه من معلومات، إذ إن الثابت من التحقيقات أن ما صدر عنهما لم يكن سوى نقل لما تلقياه من المتهم الرئيسي ذاته بشأن واقعة الوفاة.
بل إن تسلسل انتقال المعلومات ذاته يكشف عن قيام حسن النية؛ إذ إن المستأنف الأول تلقى معلوماته من والده المستأنف الثاني، بينما كان الأخير قد تلقاها مباشرة من المتهم الرئيسي، فقام – بحكم الرابطة الأسرية – بترديدها كما سمعها دون أن يكون لديه ما يثير الشك في صحتها.
وقد أكد المتهم الرئيسي ذلك صراحة بتحقيقات النيابة العامة المؤرخة 9/7/2023 عندما قرر:
“أنا مقولتش لحد خالص لأني كنت خايف وقلت لهم إنها ماتت موته طبيعية.”
وهو إقرار يكشف أن المتهم الرئيسي قد تعمد إخفاء حقيقة الواقعة عن ذويه وبث رواية مغايرة للحقيقة، الأمر الذي تلقاه المستأنفان باعتباره التفسير الحقيقي للوفاة.
كما أكدت الطبيبة / …….. – طبيبة الصحة – أنها لم تتعرض لأي تضليل أو غش أو إيهام من جانب المستأنفين، وقررت أن من حضر إليها كان يتعامل مع الواقعة باعتبارها حالة وفاة طبيعية تستوجب توقيع الكشف الطبي.
كما أن التحريات ذاتها وصفت الطبيبة بأنها “حسنة النية”، وهو ما يقطع بأن الواقعة – في ظاهرها – لم تكن تنطوي على شبهة جنائية ظاهرة حتى بالنسبة لصاحبة الخبرة الفنية.
فإذا كان الطبيب المختص لم يلحظ ما يثير الشك، فمن باب أولى ألا يُفترض سوء نية المستأنفين اللذين لم يكونا يملكان الخبرة الفنية أو العلم بحقيقة الواقعة.
ومن ثم، فإن ما نسب إلى المستأنفين لا يعدو أن يكون تصرفاً صادراً عن حسن نية، قائم على الثقة فيما نقله المتهم الرئيسي، دون علم بمخالفته للحقيقة.
كما خلت الأوراق من أي دليل على صدور فعل إيجابي من المستأنفين من شأنه إعانة الجاني على الفرار أو الاختفاء، الأمر الذي ينتفي معه كذلك الركن المادي للجريمة.
ومن ثم فإن الاتهام يكون قد أقيم على مجرد استنتاج لا ينهض دليلاً صالحاً للإدانة، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المستأنفين تأسيساً على انتفاء الركنين المادي والمعنوي للجريمة وقيام حسن النية.
الدفع الثاني
وعلى سبيل الفرض الجدلي بثبوت الواقعة في حق المستأنف الثاني (الوالد / ………) يتمسك الدفاع بتمتعه بالإعفاء القانوني المقرر بالفقرة الأخيرة من المادة 145 من قانون العقوبات
وعلى سبيل الفرض الجدلي – مع تمسك الدفاع الأصيل بانتفاء الجريمة من أساسها – فإنه حتى لو سُلّم جدلاً بقيام الفعل المؤثم، فإن المستأنف الثاني يتمتع بالإعفاء القانوني المقرر صراحة بنص المادة 145 من قانون العقوبات.
إذ نصت الفقرة الأخيرة من المادتين 144، 145 من قانون العقوبات على أنه:
“ولا تسري هذه الأحكام على زوج أو زوجة من أخفى أو ساعد على الاختفاء أو الفرار من وجه القضاء، ولا على أبويه أو أجداده أو أولاده أو أحفاده.”
ومؤدى هذا النص – في صريح لفظه – أن المشرع قصر الإعفاء من العقاب على الأزواج ومن تربطهم بالجاني قرابة النسب المباشرة بين الأصول والفروع، مراعاةً لما تمليه الروابط العائلية من اعتبارات إنسانية وفطرية قد تدفع القريب إلى مؤازرة قريبه أو حمايته.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على هذا المعنى، إذ قضت بأن:
“الشارع قصر الإعفاء الوارد في نص المادتين 144 و145 من قانون العقوبات على الأزواج وعلى من تربطهم بالجاني قرابة نسب مباشرة بين الأصول والفروع، ولم يشأ أن يمد هذا الإعفاء إلى قرابة الحواشي.”
الطعن رقم 2617 لسنة 90 ق – جلسة 12 / 12 / 2022.
ولما كان الثابت بالأوراق أن المستأنف الثاني / ……….. هو والد المتهم الرئيسي / …………، فإن العلاقة التي تربطهما هي علاقة أصل بفرع، وهي عين الحالة التي قصدها المشرع بالنص محل التطبيق.
ومن ثم، وحتى على فرض التسليم الجدلي بقيام الواقعة – وهو ما لا يسلم به الدفاع – فإن المستأنف الثاني يظل متمتعاً بالإعفاء القانوني من العقاب المقرر صراحة بنص المادة 145 من قانون العقوبات.
إذ إن المشرع قد أقام مانعاً قانونياً من العقاب متى توافرت رابطة الأبوة، إدراكاً لما قد تدفع إليه تلك الرابطة من دوافع فطرية في حماية الأب لابنه.
وعليه، فإن المسئولية الجنائية تكون – في حق المستأنف الثاني – منتفية بحكم القانون ذاته، ويغدو إسناد الجريمة إليه – حتى على فرض ثبوتها – غير قائم على سند صحيح من القانون.
الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المستأنف الثاني تأسيساً على الإعفاء المقرر صراحة بنص المادة 145 من قانون العقوبات.
الدفع الثالث
انتفاء ركن الاشتراك الجنائي في حق المستأنفين لعدم توافر أي صورة من صور الاشتراك المنصوص عليها بالمادتين 40 و41 من قانون العقوبات
من المقرر بنص المادة 40 من قانون العقوبات أن الاشتراك في الجريمة لا يقوم إلا بإحدى الصور التي حددها المشرع على سبيل الحصر، وهي: التحريض، أو الاتفاق، أو المساعدة.
ومن ثم، فلا يكفي لإقامة مسئولية الاشتراك مجرد صلة القرابة أو المعرفة أو المعاصرة الزمنية للواقعة، بل يتعين أن يثبت أن المتهم قد تدخل تدخلاً إيجابياً مقصوداً أسهم في وقوع الجريمة أو سهل ارتكابها.
وقد استقر قضاء محكمة النقض على أن:
“الاشتراك بطريق الاتفاق هو اتحاد نية الفاعل والشريك على ارتكاب الفعل المتفق عليه… ويتحقق الاشتراك بالمساعدة بتدخل الشريك مع الفاعل تدخلاً مقصوداً يتجاوب صداه مع فعله ويتحقق فيه معنى تسهيل ارتكاب الجريمة”.
الطعن رقم 3850 لسنة 95 ق – جلسة 25/10/2025.
ومؤدى ذلك أن ثبوت الاشتراك الجنائي يقتضي قيام وقائع محددة وظروف قاطعة تدل على وجود اتفاق أو مساعدة حقيقية لها أصل ثابت بالأوراق.
إلا أن أوراق الدعوى الماثلة قد جاءت خلواً تماماً من أي دليل أو قرينة تشير إلى وجود اتفاق بين المستأنفين والمتهم الرئيسي على ارتكاب الفعل محل الاتهام.
كما خلت الأوراق من أي واقعة مادية يمكن أن تشكل صورة من صور المساعدة التي يسأل عنها القانون، إذ لم يثبت أن المستأنفين قاما بتدبير أو تنسيق أو تدخل إيجابي بقصد إعانة المتهم الرئيسي على الفرار من وجه القضاء.
بل إن الثابت من التحقيقات أن ما صدر عنهما لم يكن سوى نقل لما تلقياه من المتهم الرئيسي ذاته بشأن واقعة الوفاة، وهو المصدر الطبيعي الذي يستقي منه ذوو المتوفاة معلوماتهم عن الواقعة.
وقد أكد المتهم الرئيسي ذلك صراحة بتحقيقات النيابة العامة المؤرخة 9/7/2023 عندما قرر:
“أنا مقولتش لحد خالص لأني كنت خايف وقلت لهم إنها ماتت موته طبيعية.”
وهو ما يكشف بوضوح أن المتهم الرئيسي قد تعمد إخفاء حقيقة الواقعة عن والده وشقيقه، وبث رواية مغايرة للحقيقة، الأمر الذي تلقاه المستأنفان باعتباره التفسير الطبيعي للوفاة.
ومن ثم، فإن ما نسب إليهما لا يعدو أن يكون مجرد نقل لما تلقياه من صاحب الواقعة ذاته دون علم بمخالفته للحقيقة، وهو ما ينتفي معه عنصر الاتفاق أو المساعدة في ارتكاب الجريمة.
ولا يفوت الدفاع أن يشير إلى أن الاشتراك الجنائي لا يفترض افتراضاً ولا يقوم على الظن أو الاحتمال، وإنما يجب أن يثبت بدليل واضح يكشف عن اتحاد الإرادة بين الفاعل والشريك وعن وجود تدخل إيجابي له أثر فعلي في وقوع الجريمة أو تسهيلها.
أما وقد خلت أوراق الدعوى من أي دليل يثبت وجود هذا التدخل أو يكشف عن نشاط إجرامي من جانب المستأنفين، فإن ركن الاشتراك الجنائي يكون منتفياً في حقهما انتفاءً كاملاً.
الأمر الذي ينهار معه الأساس القانوني للاتهام المسند إليهما، ويتعين معه القضاء ببراءتهما مما نسب إليهما.
الدفع الرابع
نفي تعرض الطبيبة – المتهمة الثالثة – لأي تضليل أو إيهام أو ضغط من جانب المستأنفين
لما كانت الجريمة المنسوبة إلى المستأنفين – بحسب تصوير الاتهام – تقوم على أساس أنهما قدما معلومات غير صحيحة بقصد تضليل المختصين وإعانة الجاني على الفرار من وجه القضاء، فإن ثبوت هذا الفعل يقتضي – بالضرورة – قيام دليل يقيني على أن المستأنفين قد تدخلا تدخلاً إيجابياً لتضليل الطبيبة المختصة أو التأثير على تقديرها الفني للحالة المعروضة عليها.
غير أن أوراق الدعوى جاءت قاطعة في نفي هذا الفرض من أساسه، إذ تضمنت تحقيقات النيابة العامة أقوال الطبيبة / ………. – طبيبة الصحة التي باشرت توقيع الكشف الطبي على الطفلة – والتي قررت صراحة أنها لم تتعرض لأي تضليل أو إيهام أو إدخال غش عليها من جانب المستأنفين.
فقد جاء بأقوالها بتحقيقات النيابة العامة المؤرخة 12/7/2023 ما نصه:
س: هل التقرير الصادر من مكتب صحة الزاوية بتاريخ 4/6/2023 لم يتم التوقيع عليه بمعرفتك وبكامل إرادتك؟
ج: أيوه.
كما قررت بشأن كيفية انتقالها للكشف على الطفلة:
س: ما معلوماتك بشأن الواقعة محل التحقيق؟
ج: اللي حصل إن يوم 4/6/2023 الساعة 9 صباحًا وأنا بمكتب الصحة كان جالي جد وعم الطفلة المتوفاة ………. وطلبوا مني التوجه برفقتهم لمنزلهم لتوقيع الكشف الطبي على الطفلة ساندي علشان اتوفت، وبالفعل أنا رحت معاهم البيت وكشفت على الطفلة المتوفاة ساندي محمود سامي.
ثم أوضحت – في معرض بيانها لطبيعة الكشف الذي أجرته – ما نصه:
س: وما هي الإجراءات التي اتخذتها للكشف على الطفلة ساندي؟
ج: “هي كانت لابسة شورت وتيشرت، أنا كشفت على دماغها وملقتش أي إصابات، وشوفت إيديها ورجليها، ورفعت التيشرت أبص على بطنها وملقتش فيها كسور أو إصابات قوية، أنا لقيت فيها خدوش في إيديها سطحية قديمة وفي وشها، وسألت أهلها إيه ده قالولي عادي دي طفلة وبتلعب وبيقع تتور عادي.”
كما قررت – صراحة – أنها لم تكن تشك في وجود شبهة جنائية، إذ جاء بأقوالها:
س: هل قمت بخلع ثيابها والكشف على كامل جسدها؟
ج: “لا، أنا رفعت التيشرت وملقتش الشورت علشان مكنش شاكك في حاجة.”
وعند سؤالها عما إذا كان أحد قد مارس عليها أي ضغط أو استعطاف لاستخراج تصريح الدفن، قررت بوضوح:
س: هل قام والد المتهم باستعطافك متوسلاً إليك باستخراج تصريح دفن للطفلة؟
ج: لا.
س: هل قام أحد بتهديدك أو إجبارك على استخراج تصريح الدفن؟
ج: لا.
كما أوضحت الطبيبة سبب إثباتها لتشخيص الوفاة الوارد بشهادة الوفاة بقولها:
س: ذكر في تقرير شهادة الوفاة أن سبب الوفاة هو التهاب قصبي رئوي، فكيف استبان لك ذلك؟
ج: إحنا عندنا على الجهاز في تشخيصات للوفاة الطبيعية، وبالنسبة للأطفال هو التهاب قصبي رئوي أو هبوط في الدورة الدموية أو إسهال شديد أو أنيميا حادة، فدي كانت أقرب حاجة وأنا اخترتها.
ثم عادت وأكدت – بصورة قاطعة – أنها لم تكن تشك في وجود شبهة جنائية، إذ قررت:
س: ما تعليلك فيما جاء بقولك بأن الطفلة بها بعض الخدوش باليد والرقبة وأنك استخرجت تصريح الدفن؟
ج: “هي مجرد خدوش بسيطة، ومكنتش أشك إن في شبهة جنائية، وكمان كانت قديمة، والوارد أن تكون موجودة في الأطفال بسبب شقاوتهم.”
وهذه الأقوال – الصادرة عن صاحبة الاختصاص الفني المباشر – تكتسب دلالة جوهرية في ميزان الإثبات، إذ إن الطبيبة المختصة هي الأقدر على إدراك ما إذا كانت قد تعرضت لتضليل أو تأثير من عدمه.
فإذا كانت الطبيبة قد قررت صراحة أنها لم تتعرض لأي تضليل أو غش أو ضغط، وأنها باشرت الكشف بكامل إرادتها، ولم تكن تشك في وجود شبهة جنائية، فإن ذلك يقطع بأن المستأنفين لم يقوما بأي تدخل إيجابي من شأنه تغيير الحقيقة أو التأثير على التقدير الطبي للواقعة.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً إذا ما وضع في الاعتبار أن التحريات ذاتها وصفت الطبيبة بأنها “حسنة النية“، وهو ما يعني أن الواقعة – في ظاهرها – لم تكن تنطوي على شبهة جنائية واضحة تسترعي الانتباه حتى بالنسبة لصاحبة الخبرة الفنية.
ومن ثم، فإن انتفاء أي محاولة تضليل للطبيبة يترتب عليه – قانوناً ومنطقاً – انتفاء الركن المادي للجريمة المنسوبة إلى المستأنفين، إذ لا يتصور قيام فعل تقديم معلومات مغلوطة بقصد إعانة الجاني على الفرار دون أن يكون لذلك أثر في تضليل المختصين أو التأثير على تقديرهم للواقعة.
وعليه، فإن أقوال الطبيبة بتحقيقات النيابة العامة جاءت نافية صراحة لجوهر الاتهام المسند إلى المستأنفين، بما يقطع بأن الأوراق قد خلت من أي دليل على قيامهما بتضليل المختصين أو إدخال الغش عليهم، الأمر الذي ينهار معه الأساس الواقعي والقانوني للاتهام.
الدفع الخامس
عدم صلاحية التحريات وحدها لأن تكون دليلاً على الإدانة
من المستقر عليه أن الأحكام الجنائية لا تبنى إلا على أدلة يقينية يطمئن إليها وجدان المحكمة، وأن القاضي الجنائي يجب أن يستمد عقيدته من عناصر الدعوى المطروحة أمامه بعد تمحيصها بنفسه، لا من مجرد آراء أو استنتاجات محرر التحريات.
ولئن كان يجوز للمحكمة أن تعول على التحريات بوصفها قرينة تعزز ما توافر في الدعوى من أدلة أخرى، إلا أن قضاء محكمة النقض قد استقر على أنها لا تصلح وحدها لأن تكون دليلاً أساسياً أو قرينة مستقلة على ثبوت التهمة.
وقد قضت محكمة النقض بأن:
“الأحكام يجب أن تبنى على الأدلة التي يقتنع منها القاضي بإدانة المتهم أو ببراءته… وإن كان الأصل أن للمحكمة أن تعول في تكوين عقيدتها على التحريات باعتبارها معززة لما ساقته من أدلة، إلا أنها لا تصلح وحدها لأن تكون قرينة معينة أو دليلاً أساسياً على ثبوت التهمة… وإذا كانت المحكمة قد جعلت أساس اقتناعها رأي محرر محضر التحريات فإن حكمها يكون قد بُني على عقيدة حصلها الشاهد من تحريه لا على عقيدة استقلت المحكمة بتحصيلها بنفسها.“
الطعن رقم 5590 لسنة 52 ق – جلسة 17/3/1983.
وبإنزال ذلك على الدعوى الماثلة، يتبين أن الاتهام المسند إلى المستأنفين قد قام – في جوهره – على ما ورد بمحضر التحريات، دون أن يعضده دليل مادي مستقل أو شهادة قاطعة تثبت تعمدهما تقديم معلومات يعلمون بمخالفتها للحقيقة.
كما أن التحريات تعرضت لمسألة القصد الجنائي والنية، وهي من المسائل النفسية الباطنة التي لا يجوز الجزم بها بمجرد استنتاجات مأمور الضبط القضائي.
ويزداد ضعف التحريات وضوحاً لكونها قد جاءت مصادمة لما ثبت بتحقيقات النيابة العامة ذاتها، إذ قررت الطبيبة المختصة أنها لم تتعرض لأي تضليل أو غش أو إيهام من جانب المستأنفين، كما خلت الأوراق من أي دليل على وجود اتفاق أو تدخل إيجابي بقصد تعطيل العدالة.
ومن ثم، فإن إقامة الاتهام على مجرد التحريات دون أن يعززها دليل يقيني آخر يجعلها – في ميزان القانون – غير كافية بذاتها لإثبات التهمة، الأمر الذي يتعين معه القضاء ببراءة المستأنفين.
الدفع السادس
انتفاء الضرر على العدالة وعدم تحقق الغاية التي استهدفها المشرّع من تجريم الفعل
من المبادئ المستقرة في الفقه الجنائي أن النص العقابي إنما شرع لحماية مصلحة قانونية محددة، وأن التجريم لا يُفهم إلا في ضوء الغاية التي ابتغاها المشرّع من تقريره.
وفي الجريمة المنصوص عليها بالمادتين 144 و145 من قانون العقوبات، فإن المصلحة محل الحماية تتمثل في حماية سير العدالة ومنع تعطيلها، وذلك بمنع أي تدخل يقصد منه إخفاء الجاني أو تمكينه من الإفلات من يد العدالة أو عرقلة الإجراءات الجنائية ضده.
ومن ثم، فإن مناط التجريم في هذه الجريمة يتمثل في تحقق تعطيل فعلي للعدالة أو إعاقة وصول السلطات إلى الجاني.
وبإنزال ذلك على الدعوى الماثلة، يتبين بوضوح أن العدالة لم تُمس ولم تتعطل، إذ إن الثابت بالأوراق أن:
- المتهم الرئيسي قد تم ضبطه بالفعل،
- وباشرت النيابة العامة التحقيق معه،
- وأحيل إلى المحكمة المختصة،
- وصدر بحقه حكم قضائي بالإدانة تأيد استئنافياً.
وهي وقائع تقطع بأن الأجهزة المختصة قد تمكنت من الوصول إلى المتهم الرئيسي وتقديمه للمحاكمة، بما مؤداه أن سير العدالة لم يتعرض لأي تعطيل أو عرقلة.
إذ كيف يتصور قيام جريمة إعانة على الفرار من وجه القضاء بينما الواقع الثابت أن الجاني قد خضع للتحقيق والمحاكمة حتى صدر الحكم في مواجهته؟
ولا ريب أن النص العقابي لم يوضع لمعاقبة مجرد صلة قرابة أو تعامل إنساني عابر، وإنما وُضع لمواجهة الأفعال التي تفضي فعلاً إلى تعطيل العدالة أو إبعاد الجاني عن يد القانون.
ومن ثم، فإن القول بقيام الجريمة في ظل هذه الوقائع يغدو قولاً يتجافى مع منطق النص ذاته، لأن النتيجة التي أراد المشرّع منعها لم تتحقق أصلاً.
ولا يغير من ذلك ما قد يثار من أن الضرر في بعض الجرائم يعد ضرراً مفترضاً، إذ إن هذا الافتراض إنما قرره القضاء في جرائم تتعلق بحماية الثقة العامة، كجرائم التزوير في المحررات الرسمية، أما في الدعوى الماثلة فإن الثابت أن العدالة قد أخذت مجراها الطبيعي دون عائق.
ومن ثم، فإن انتفاء الضرر على العدالة وعدم تحقق الغاية التي استهدفها المشرّع من التجريم يكشف عن عدم اكتمال البنيان القانوني للجريمة محل الاتهام، ويعضد – مع باقي الدفوع – طلب القضاء ببراءة المستأنفين مما نسب إليهما.
الطلبات
لذلك، ولما تقدم،
وبعد أن أحاط الدفاع عدالة المحكمة الموقرة بوقائع الدعوى ودفوعها وأسانيدها القانونية، يلتمس القضاء بالآتي:
أولاً – أصلياً:
قبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف، والقضاء مجدداً ببراءة المستأنفين الأول والثاني مما أُسند إليهما، تأسيساً على خلو الأوراق من دليل يقيني معتبر، وانتفاء أركان الجريمة المادية والمعنوية، وانتفاء الاشتراك الجنائي، وعدم صلاحية التحريات وحدها دليلاً للإدانة، مع ما يترتب على ذلك من آثار.
ثانياً – وعلى سبيل الاحتياط الكلي:
القضاء ببراءة المستأنف الأول، وبإعفاء المستأنف الثاني من العقاب إعمالاً لنص الفقرة الأخيرة من المادة 145 من قانون العقوبات، لكونه من أصول المتهم الرئيسي، وهي الحالة التي أقام المشرع بشأنها مانعاً قانونياً من العقاب مراعاةً لاعتبارات صلة النسب المباشرة بين الأصول والفروع.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام والتقدير،،،
وكيل المستأنفين الأول والثاني
أ / البير أنسي
المحامي بالنقض
