مدى قابلية التفسير الدستوري لإباحة الترشح غير المحدود لرئيس الجمهورية الحالي:-

مدى قابلية التفسير الدستوري لإباحة الترشح غير المحدود لرئيس الجمهورية الحالي:-
—————-
في البناء الدستوري الرصين، لا يقف النص القانوني عند حد ظاهره اللفظي، بل يُستجلى معناه في ضوء السياق الذي وُضع فيه، والمقاصد التي ابتُغيت منه، والموقع البنيوي الذي يشغله ضمن الوثيقة الدستورية بوصفها كلاً لا يتجزأ. وانطلاقًا من هذا المنهج، يثور التساؤل المشروع حول مدى التوفيق بين نصي المادتين (١٤٠) و(٢٤١ مكرراً) من الدستور المصري، وما إذا كان نص المادة الانتقالية يُقيد تطبيق نص القاعدة العامة أم يُعدّلها ضمنيًا لمصلحة ظرف دستوري بعينه.
إن المادة (١٤٠) من الدستور – في صيغتها المعدّلة عام ٢٠١٩ – قد قررت قيدًا صريحًا على عدد مدد تولي رئيس الجمهورية للسلطة، فقصرته على مدتين رئاسيتين متتاليتين، مدة كل منهما ست سنوات. وهو نص جاء في مقام التنظيم العام لمبدأ التداول السلمي للسلطة، وضمانًا لعدم الاستئثار بها دون حد. إلا أن إرادة المُشرّع الدستوري، وقد رصدت خصوصية الظرف السياسي للبلاد، ارتأت إدراج نص انتقالي مكمّل هو المادة (٢٤١ مكرراً)، يقضي باستمرار مدة رئيس الجمهورية الحالي إلى ست سنوات تبدأ من إعلان انتخابه عام ٢٠١٨، ويجيز إعادة انتخابه “لمرة تالية”.
والواضح أن المادة (٢٤١ مكرراً) لا تمثل مجرد “نص تنفيذي” لنص المادة (١٤٠)، بل تُشكّل – بحكم صيغتها الانتقالية واستقلالها من حيث المصدر والغاية – قيدًا تشريعيًا خاصًا يسري على شخص بعينه، بصفته رئيسًا للجمهورية في لحظة زمنية معينة، بما يُنزلها في مرتبة التعديل الدستوري الموضوعي، لا التفسير الإجرائي فحسب.
ومن جهة الصياغة، فإن عبارة “يجوز إعادة انتخابه لمرة تالية” قد جاءت على نحو يفتح باب التأويل، ولا تنطوي في ذاتها على قيد زمني نهائي. فلفظ “مرة” قد يُفهم في سياق المعايير السياسية على أنه متعلق بدورة تالية، لكنه لا يحمل منطوق “النهائية” أو “الحد الأقصى” كما هو حال المادة (١٤٠) التي استخدمت عبارة “لا يجوز أن يتولى الرئاسة لأكثر من مدتين”. فشتّان بين صيغة المنع (في المادة ١٤٠) وصيغة الإباحة (في المادة ٢٤١ مكرراً)، ولا يُصار إلى تقييد المباح إلا بنص واضح صريح لا يقبل التأويل أو التوسع.
ولئن قيل إن القيد العام في المادة ١٤٠ يجب أن يسري لاحقًا على الرئيس الحالي، فإن الرد على ذلك أن المادة (٢٤١ مكرراً) تُعلّق – من حيث التطبيق – حكم المادة ١٤٠ بالنسبة لشخص رئيس الجمهورية الحالي، بما يجعل أثرها نافذًا في الزمان لحين إعمال القيد من جديد على من يلي هذا الرئيس، لا عليه. وتلك سِمة جوهرية في فقه النصوص الدستورية الانتقالية، حيث إن مفعولها يمتد ليُعطل النص العام مؤقتًا على سبيل الاستثناء المشروع، لا الإلغاء التام.
ومن هنا، فإن التفسير الصحيح الذي يتسق مع نوايا المشرّع الدستوري ومع السياق السياسي والاجتماعي الذي أنشأ هذا النص، هو أن المادة (٢٤١ مكرراً) تُنشئ حقًا أصيلاً لرئيس الجمهورية الحالي في الترشح مرة تالية، دون أن تجعل منها المرة الأخيرة، ما لم يرد نص يحظر صراحة إعادة الترشح بعدها. فالسكوت هنا، في معرض التقييد، ليس محايدًا، بل مُعبّر عن الإباحة، والمبدأ في القانون أن “الإباحة هي الأصل، والتقييد استثناء، ولا يُصار إليه إلا بنص صريح لا لبس فيه”.
وعليه، فإن القول بجواز ترشح رئيس الجمهورية الحالي بعد ٢٠٣٠ لا يُعد إخلالًا بمبدأ تداول السلطة، إذ إن التداول لا يتحقق بمجرد تبديل الأفراد، وإنما جوهره قيام انتخابات نزيهة تُتيح للأمة التعبير الحر عن إرادتها. فإذا اختار الشعب ذاته الشخص مرة تلو الأخرى، فإن السيادة تكون قد أُعملت في أصفى صورها، وتلك هي الديمقراطية في معناها الحقيقي، لا في شكلها المجرد.
فالمادة (٢٤١ مكرراً)، إذن، لم تُقيّد الرئيس القائم بعدد نهائي من الترشحات، وإنما قررت له امتدادًا خاصًا في ولايته، وجعلت له الحق في الترشح لدورة لاحقة، وامتنعت صراحة عن تقرير أي حظر بعد ذلك. وبهذا، فإن النص يكون قد صنع له قاعدة استثنائية ذات نطاق مستقل، تُرجّح على النص العام بحكم خصوصيتها، ولا تُلغيه بل تُؤجّل أثره بالنسبة له.
ولذلك، فإن الرئيس القائم – وفقًا لهذا التفسير المتسق مع روح الدستور ومقاصده – يتمتع بحق دستوري كامل في الترشح بعد ٢٠٣٠، دون قيد عددي ما دام النص لم يُقرر خلاف ذلك، وما دامت الأمة هي صاحبة القول الفصل عبر صناديق الاقتراع.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
البير أنسي
بالنقض