في دولة القانون، لا تكون السلطة التشريعية مطلقة ولا طليقة من القيد

في دولة القانون، لا تكون السلطة التشريعية مطلقة ولا طليقة من القيد، وإنما تدور في فلك الدستور، تأتمر بنصوصه وتخضع لمبادئه. ومن ثم، فإن العقود التي يبرمها الأفراد استنادًا إلى هذه النصوص الدستورية لا يجوز للمشرّع أن يقتحم حرمتها أو ينال من آثارها، حتى لو استند في ذلك إلى دعوى تحقيق المصلحة العامة، لأن هذه المصلحة ـ مهما بلغ قدرها ـ لا تعلو على الوثيقة الدستورية، ولا تبرر العدوان على الحقوق المكتسبة في ظلها. وقد قررت المحكمة الدستورية العليا هذا المعنى بعبارة قاطعة لا تقبل التأويل، حين قالت: “العقود التي يقيمها أطرافها وفق نصوص الدستور ذاتها، لا يجوز أن ينهيها المشرع، ولو عارضتها مصلحة أياً كان وزنها” (قضية رقم ٥٦ لسنة ۱۸ ق دستورية، الجريدة الرسمية ۲۷ / ۱۱ / ۱۹۹۷).
وهذا المبدأ يتجاوز كونه حكمًا قضائيًا إلى كونه ضمانة دستورية لاستقرار العلاقات القانونية والمراكز الفردية التي تأسست في كنف نصوص دستورية صريحة. ذلك أن المساس بهذه المراكز أو النيل من هذه العقود يُعد تفريغًا للنصوص الدستورية من مضمونها، وإهدارًا لروحها الملزمة، وضربًا لاستقرار المعاملات وثقة الأفراد في التشريع. فالدستور لا يكون في عليائه مرجعًا ملزمًا إلا إذا التزمت به السلطات جميعها، وفي مقدمتها السلطة التشريعية التي تُعد أولى من يُحاسَب إن هي أغفلت مقتضياته أو نالت من حرماته.
ومن البدهي أن سلطة المشرع، وإن اتسعت في مجال التنظيم والتقنين، لا تمتد إلى سلطة الهدم والإلغاء لمراكز قانونية قائمة تأسست على سند من الدستور ذاته. فلا يجوز أن تُنقض العقود التي أبرمها الأفراد بحرية في ظل حماية دستورية قائمة، سواء في مجال الملكية أو حرية التعاقد أو الحقوق المالية، لأن ذلك يهدم مبدأ الأمان القانوني، ويزرع الشك في نفوس الأفراد إزاء استقرار أوضاعهم التي وثقوا بها. وما لا يستقيم معه ميزان العدالة، أن يكتشف المواطن أن العقد الذي أبرمه وفق القانون والدستور يمكن أن يُهدر أو يُلغى بقرار لاحق من المشرع، يغير القواعد التي ارتكن إليها بعد إبرام العقد، ويبدل من معالم المشهد القانوني الذي كان قائمًا ساعة التعاقد.
لقد اعتادت المحكمة الدستورية العليا أن تزن المصلحة العامة بميزانٍ دقيقٍ لا يُخِل بحقوق الأفراد ولا يفرط في سيادة الدستور. فالمصلحة العامة التي يُسوّق بها البعض لتبرير تدخل المشرع، يجب أن تُقيّد بقيود جوهرية، أهمها ألا تفضي إلى إهدار الحقوق التي تحصّنت بحماية دستورية، وألا تفرغ العقد من مضمونه أو تنال من آثاره الجوهرية. أما إذا جاوز تدخل المشرع هذا الحد، فإنه يكون قد تجاوز وظيفته كمنظم للعلاقات القانونية إلى موقع الخصم من الحقوق، وهو ما يرفضه الدستور والعدالة معًا.
إن فكرة حصانة العقد الدستوري لا تعني التحصين من كل تغيير أو تنظيم لاحق، بل تعني أن تدخل المشرّع يجب أن يكون محاطًا بقيودٍ دستورية صارمة، لا تُبيح له أن يُعدم العقد أو أن ينقضه من أساسه، وإنما تسمح فقط بتنظيم لاحق لا يمس جوهر الإرادة ولا يهدر الغاية التي قامت عليها العلاقة التعاقدية. أما أن يُنهي المشرّع العقد بذريعة التغيير التشريعي أو الضرورة الاقتصادية أو حتى المصلحة العامة، فذلك افتئات على النص الدستوري ذاته، وإهدار لقيمة العقد باعتباره أداة قانونية ومظهرًا من مظاهر الحرية الفردية.
وعليه، فإن أي نص تشريعي يتضمن إلغاءً أو إنهاءً لعقد أبرم في ظل نص دستوري، يكون نصًا مشوبًا بعدم الدستورية من وجهين: أولهما، أنه يهدر مبدأ المشروعية الذي يقتضي التزام المشرع بالضوابط الدستورية؛ وثانيهما، أنه ينال من الحقوق المكتسبة التي تأسست وفقًا لهذه النصوص. وهذا يُوجب على القضاء، وعلى رأسه المحكمة الدستورية العليا، أن يتدخل للحيلولة دون نفاذ هذه النصوص، حمايةً للدستور وسيادة القانون.
وما يزيد هذا الأمر خطورة، أن فتح الباب أمام تدخل المشرّع في العقود المبرمة وفق نصوص الدستور يُفضي إلى حالة من الارتباك التشريعي والاضطراب في المعاملات، ويُضعف الثقة في القانون ذاته. فما قيمة العقد إن كان بإمكان المشرّع أن يلغيه بعد حين؟ وما قيمة الدستور إن كانت السلطة التشريعية تتجاوزه تحت شعار التنظيم والتقنين؟ إن الاستقرار القانوني لا يتحقق إلا بإعلاء شأن العقد الذي تأسس على نصوص الدستور، وإغلاق الباب أمام أي تدخل يُبطل أثره أو ينهي وجوده، ولو استند إلى مصلحة عامة مرجوّة.
وهكذا يتبين أن المحكمة الدستورية العليا حين قررت قاعدتها الباتة في الحكم سالف الذكر، لم تكن بصدد حماية عقدٍ بعينه، بل كانت بصدد حماية فكرة أعمق: هي قداسة النص الدستوري، وصيانة مركز الفرد القانوني متى تأسس على أساس من هذا النص. ومن ثم، فإن هذه القاعدة تمثل حاجزًا دستوريًا بين سلطة المشرّع وبين العقود الدستورية، لا يجوز اقتحامه إلا بثمن فادح تدفعه شرعية القانون وثقة الناس فيه..
البير انسي
بالنقض