التسول السياسي

أنا لا أُجيد التسوّل السياسي، ولا أُتقن الاستعراض في الشوارع، ولا أبحث عن لقطةٍ تلمّع صورة أو كلمةٍ تُرضي غرور الجماهير على حساب ضميري.

فلو قُدر لي أن أترشح لعضوية البرلمان، فلن أتنازل عن ذاتي، ولن أرتدي قناع المجاملة الزائفة. لن أُقبّل كل من أقابله لأستجلب تصفيقًا، ولا أتنازل عن مبدأ كي يرضى عني من لا يعرف معنى الموقف.

لن ألعب على حبل الطائفية، ولن أبيع ضميري في أسواق الانتهازية. لن أُفرّغ الزيت الفاسد على نيران المنافع لقلي ضميري، ولن أكون ملعقة سكر تُذاب في كوب المصلحة لتُحلّي كذبة كبرى، ولن أتحوّل إلى قطع لحمٍ تُطحن على موائد الرعاع، يشبعون بها بطونهم ويتركون البلاد جياعًا للكرامة.

لن أوزّع الأموال في الظلام، ولن أستعين بجوقة من الهتيفة تنفخ في نار الغوغاء. لن أشتري ضميرًا، بل – على العكس – سأبيع كل خائن.
سأبيع المرتشين بثمن الكرامة، ولن أراعي عددهم، ولو ملؤوا الميادين. فلا كرامة لمَن باع وطنه، ولا شرف لمَن باع نفسه بثمن بخس من سلطةٍ أو مال.

أنا أحب المهندس الشريف الذي يبني حجارة الوطن بإيمان، وأحترم الطبيب النبيل الذي يداوي الجراح بقلبٍ يقظ، وأُجلّ حارس العقار الواعي الذي يحرس الأمانة ولو بباب متواضع.
كل هؤلاء، تاج شرف فوق رأسي، وصوتهم أمانة أثمن عندي من ألف لافتة انتخابية.

أما المهندس الذي خان ضميره فهدم بدل أن يبني، والمحامي الذي علّق روبه على شماعة الرشوة، والطبيب الذي استبدل الضمير بالمسكّن، فلا اعتبار لهم عندي، ولو حملوا أرفع الشهادات.
الألقاب لا ترفع من باع نفسه، ولا تخفّف وزر من خان رسالته.

أنا لا أبحث عن مجاملة ولا أطلب تصفيقًا، بل أُعلن من الآن أنني لست من هواة المسرحيات الانتخابية. من أرادني صادقًا كما أنا، فمرحبًا به شريكًا في درب شاقٍ لا يعرف سوى الحق.
ومن أرادني مهرّجًا سياسيًا يُصفّق لكل صاحب نفوذ، فليبحث له عن عرضٍ آخر، فخشبتي لا تُقدّم إلا الحقيقة.

هذه ليست دعوة انتخابية، بل عهد شرف أعلنه أمام كل من يعرف قدره ويحترم عقله. من منحني صوته عن قناعة، فصوته عندي دين. ومن انتظر رشوة أو وعدًا كاذبًا، فليذهب إلى من يُتقن الكذب، فأنا لا أزاحم في أسواق النفاق..

البير انسي
بالنقض