نقد المحاكمات الاون لاين

في عالم القضاء، حيث تُقاس الحريات بثواني الجلسات ودقات القلوب، أضحت الشاشة نافذةً باردة بين المتهم والقاضي، بين الجسد والعدالة. غير أن هذه النافذة، مهما زُخرفت بذرائع السرعة والكفاءة، تطرح سؤالاً عميقًا عن جوهر الضمانات الدستورية: هل يمكن للصورة الافتراضية أن تحل محل الحضور المادي الذي نص عليه الدستور وأرسته تقاليد المحاكمة العادلة؟ إن مفهوم “العرض على القضاء” الوارد في المادة 54 من الدستور يتجاوز مجرد إظهار وجه المتهم على شاشة رقمية، فهو يعني مواجهة حقيقية تتيح للقاضي أن يقرأ ملامح القلق أو الثبات، وأن يسمع ما يتهامس به المتهم مع محاميه، وأن يتيقن من علنية الجلسة بلا ظلال لغرف مغلقة أو قنوات اتصال مقيدة.
وإذا كان مبدأ تقريب جهات التقاضي، المنصوص عليه في المادة 97، يهدف إلى تيسير سبل الوصول إلى العدالة، فإن فرض جلسات “مد الحبس” عن بُعد يُفضي إلى نتيجة معاكسة، إذ يجزّئ المشهد القضائي إلى جزر معزولة: القاضي في قاعة المحكمة، المتهم في زنزانة معزولة، والمحامي في مكتبه، فتضيع وحدة الإجراء وتتحول المشاركة إلى حضور شكلي فاقد للروح. كما أن الحق في الدفاع، المقرر في المادة 98، لا يبلغ غايته إلا حين يتسنى للمحامي أن يلتقط إشارات موكله، وأن يناوله ورقة أو يهمس له بتحذير، وهي تفاصيل تذوب في فراغ الاتصال الافتراضي.
والمحاماة، في جوهرها، مهنة تقوم على الحضور الجسدي، لا على الإيماءات الرقمية. استقلال المحامي، المكرس في المادة 186، يكتمل بمراقبة لغة جسد الشهود، وبالتدخل الفوري لرد أي تجاوز، وبالتثبت من هوية من يشارك في الجلسة. وكل ذلك يتآكل في ظل نظام إلكتروني إلزامي يحوّل المحامي إلى صورة متحركة خالية من المدى الإنساني. ولا غرابة أن نجد في التجارب المقارنة ما يدعم هذا التخوف؛ فقد قضى المجلس الدستوري الفرنسي في قراره رقم 2020-801 QPC بأن تمديد الحبس عبر الفيديو من دون موافقة صريحة من المتهم ومحاميه يشكل انتهاكًا لحق الدفاع المقرر في المادة 6 من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، لما يمثله من عائق أمام التواصل السري والفعال بين الطرفين.
إن الخلل الأكبر لا يكمن في التقنية بحد ذاتها، بل في إلزام الخصوم باستخدامها، سواء كانوا غير ملمين بأساسياتها، أو عُرضة لانقطاع الخدمة في أماكن احتجازهم، أو رافضين من حيث المبدأ أن تُدار قضايا حرياتهم عبر منصة إلكترونية. في هذه الحالات، يتحول النظام إلى أداة لتعطيل الضمانات ومخالفة مبدأ تكافؤ السلاح الإجرائي، مما يضعه في مواجهة مباشرة مع النصوص الدستورية. والحل لا يكون إلا بتكريس الخيار الطوعي للجوء إلى الجلسات عن بُعد، مقرونًا بضمانات حديدية تكفل قناة اتصال سرية وفورية بين المتهم ومحاميه، بحيث تظل التقنية أداة في يد العدالة، لا قيدًا على عنقها. فالسرعة والفاعلية لا يجوز أن تحوّل قاعات المحاكم إلى استوديوهات افتراضية تُنتج أحكامًا بلا رائحة الإنسان، لأن العدالة الحقيقية لا تُبنى على صور باردة، بل على أنفاس حقيقية.
البير انسي
بالنقض