ي قلب كل محامٍ حصيف مساحات من الخوف

إن في قلب كل محامٍ حصيف مساحات من الخوف، لكنّه خوف لا يعرف الذل ولا يعرف الهزيمة، بل هو خوف يتوضّأ بالحكمة ويتوّشح بالمسؤولية. إنه الخوف الذي ينبع من يقظة الضمير، لا من خنوع الروح، ومن احترام ثقل الأمانة لا من رهبة الخصومة.
المحامي لا يخاف من أحد، فهو واقف في محراب العدالة يصدح بالحق ولو علا الخصوم، لكنه يخشى على الحق إن ضاع دليله، ويخشى على المظلوم إن لم يجد له سندًا، ويخشى على موكله إن تلاعبت الأهواء بمصيره. هذه المخافة النبيلة هي ما يميز الحكيم عن المغامر، والرزين عن المتهوّر.
فما أعقل ذلك الذي تهيّب خطوته لأنه يعرف عمق الأثر، وما أحكم من توقّف قليلًا ليزن كلمته لأنها قد تغيّر حياة إنسان بأسرها. إنه لا ينطق عن خفة، ولا يخطّ دفاعه عن تسرع، بل يضع في كل حرف رصانة المعرفة، وفي كل كلمة حسابًا للأثر والتبعة.
وهل الحكمة إلا أن تدرك أن المحاماة ليست صخبًا أجوف ولا بطولة زائفة، بل هي مسؤولية ثقيلة لا يحملها إلا من تمرّس في ميادين العدل حتى صار قلبه يقيس كل خطوة بميزان من ذهب؟ وهل الحكمة إلا أن يعرف صاحبها أن أشدّ الأخطاء فتكًا تلك التي تأتي من استهانة وتهوّر؟
إنه خوف المحامي الذي يقدّر أن العدل لا يقبل استسهالًا، وأن الحق لا يحتمل الرعونة، وأن الدفاع الصادق لا ينبت في تربة الارتجال. خوفه وقاره، وتردده نباهته، وهيبته ثقة تعرف أين ومتى وكيف تقول: “هنا الحق… وهنا باطل.”
يا من تظن أن هذا الخوف ضعف، تمهّل. إنك تنظر إلى قمة جبل الحكمة وتظنها سهلًا منبسطًا. إن في قلب المحامي خوفًا مقدّسًا، خوفًا يعلّمه أن الحق لا يُنال بالصوت العالي بل بالبصيرة العميقة، وأن العدالة لا يفتنها الادعاء الفارغ بل يغريها صدق الحجة وقوة البرهان.
فتحية لكل محامٍ لم يجعل من شجاعته رعونة، ولا من ثقته غطرسة، وجعل من خوفه صراطًا مستقيمًا يسير به نحو الحق دون اعوجاج. وتحية لمن أدرك أن المخافة الحكيمة هي تاج المحامي الذي لا يسقط عن جبينه أبدًا..
البير انسي
بالنقض