في مشهد عبثي لا يجود به إلا خيال الشرق المحاصر بالتناقض، نعيش أيامًا تُدان فيها الرقصة إن كانت فردية، وتُكافأ إن جاءت جماعية على نغمة انتخابية. يُقبض على فتيات “التيك توك” بتهمة خدش الحياء، ولا نملك إلا أن نقر بأن كثيرًا منهنّ بالفعل لم يخدشن الحياء فقط، بل جلد الذوق العام برمّته؛ فابتذال مستتر بالعناوين الساخنة، ورقصات تستجدي الرواج السهل، ومضمون لا يمتّ إلى الفن ولا الإبداع بصلة.
ولكن…
هل يعني ذلك أن نخدش نحن أيضًا حياء الوطن من الناحية الأخرى؟!
هل يصبح خدش الحياء “وطنيًا” حين يُقدَّم أمام لجان انتخابية؟
هل يحق لجموع “الراقصين المؤيدين” أن يملؤوا الشوارع بالصياح والزغاريد والمهرجانات الهابطة باسم دعم الدولة؟!
ما الفرق بين من ترقص بجهل على الإنترنت، ومن يهزّ خصره أمام الكاميرات قرب صناديق الاقتراع؟
بل لعل الأخيرة أفظع، لأنها تُرتَكَب تحت أعمدة الدولة وباسمها، وتُسوَّق كدليل على “الفرحة الديمقراطية”، وهي في حقيقتها لا تعدو كونها مهرجانًا للجهل الممنهج.
إن كانت “التيك توكرز” يستخففن بالقيم بحثًا عن لايكات ومشاهدات، فإن أولئك الذين يهزّون خصورهم أمام لجان الانتخابات يُهينون العملية السياسية برمّتها. كلا الفريقين شارك في إفساد الذوق العام، وإن اختلفت النوايا والوسائل.
فهؤلاء الذين يرقصون أمام لجان الانتخابات لا يعرفون الفرق بين ورقة التصويت وورقة اليانصيب، ولا بين البرلمان وفرقة حسب الله. جُيء بهم كأنهم زينة المشهد، بينما هم وصمة على جبين وطن يُفترض أن يُبنى بإرادة واعية، لا بخطوات “العُو” وطبول العشوائية.
لا يُعقل أن تُصادر الحرية في عالم افتراضي، ثم تُفتح المسارح في عالم واقعي مسموم، والنتيجة واحدة: ابتذال يخدش الحياء العام، ويسيء إلى وجه الوطن، ويبيع كرامة الشعب مقابل فرجة مجانية أو صمتٍ مدفوع.
فإلى التيك توكرز نقول: أنتنَّ أضعن الفن في متاهات الجسد العاري والضحك الرخيص.
وإلى الراقصين أمام اللجان نقول: أنتم شوهتم الوعي، وجعلتم من صندوق الاقتراع مسرحًا للهزل، ومن حب الوطن نكتة تُتداول في الموالد.
كلاكما ساهمتم في النزول بمستوى الخطاب المجتمعي؛ فهل بعد هذا اللغط يمكن أن نحلم ببرلمان راقٍ أو أجيال واعية؟
وهل يمكن لمن باع حياءه طوعًا، أن يشتري يومًا كرامة الوطن؟!
عذرًا يا مصر… فقد رقصوا على جراحك، وخدشوا حياءك من الجانبين، ولم تجدِ فيهم حياءً يُردع، ولا نخوة تُستعاد.
البير انسي
بالنقض
