في طيات المادة السابعة من مشروع القانون الجديد، تتجسد نية المشرّع في فتح الباب لما أسماه البعض بـ”التصحيح التاريخي”، بينما يراه آخرون تجاوزًا للميزان المقدّس في العلاقات التعاقدية.
لقد ابتدأت المادة بإقرار قاعدة جوهرية: أن أحكام الإخلاء المنصوص عليها في المادة (18) من القانون رقم 136 لسنة 1981 ما زالت قائمة، ولم يُنسخ ما جاء بها، ولكنها باتت الآن محاطة بإطار زمني جديد ووضع قانوني مستجد فرضه هذا المشروع. وهو ما يظهر في العبارة الافتتاحية للمادة:
“مع عدم الإخلال بأسباب الإخلاء المبينة بالمادة (18)…”.
وهذا التعبير القانوني يعني أن ما سيرد لاحقًا في المادة الحالية إنما يأتي إضافة على الأسباب السابقة، لا إلغاءً لها.
تنتقل المادة بعد ذلك إلى الفرض الحاسم: نهاية المدة المبينة بالمادة (2)، حيث يلتزم المستأجر أو من امتد إليه العقد بإخلاء العين المؤجرة وردّها إلى المؤجر. وهذه الإلزامية ليست اختيارًا، بل أمر قانوني نهائي، لا معلق على شرط ولا متوقف على إجراء. فهي نهاية مُحكمة لعقد مديد، طال بقاؤه حتى تشكلت حوله أعرافٌ تُشبه الحقوق، دون أن تكون كذلك من الناحية القانونية.
لكن المشرّع، لم يقف عند حدِّ نهاية المدة، بل أضاف حالتين اثنتين إذا تحققت إحداهما قبل حلول الأجل، فُتح باب الطرد دون انتظار:
الأولى: ترك العين مغلقة لمدة تتجاوز السنة دون مبرر.
وهي حالة تهدف نظريًا إلى مكافحة التحايل، إلا أن تحديدها بمدة “سنة” مفتوحة التفسير، دون اشتراط إنذار أو إثبات علم المستأجر بالإجراء، يجعلها سيفًا قد يُسلّط بغير بيّنة.
الثانية: امتلاك المستأجر أو من امتد إليه العقد لوحدة أخرى تصلح لنفس الغرض.
وهنا تتجلى إشكالية كبرى، إذ ينقل النص عبء الإثبات إلى المؤجر ظاهريًا، لكنه يُسلّح هذا الأخير بأداة إجرائية قد تسبق حتى مجرد إقامة الدعوى، وهي اللجوء إلى قاضي الأمور الوقتية لاستصدار أمر وقتي بالطرد، متى امتنع المستأجر عن الإخلاء، حتى دون سماع دفاعه أو تمكينه من إبداء دفوعه الموضوعية.
وفي هذه اللحظة، يتحول النص إلى صاعق قانوني بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالمادة لم تكتف بمنح المالك طريقًا مباشرًا للطرد، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك، حين نصّت على أنه “لا يترتب على رفع الدعوى الموضوعية وقف أمر قاضي الأمور الوقتية المشار إليه.”
هنا، يسكت القانون عن العدالة، ويمنح المؤجر أداة التنفيذ قبل أن يُمنح المستأجر فرصة الدفاع. فحتى لو سارع المستأجر إلى قاضي الموضوع طعنًا على الأمر، فالدعوى لا توقف التنفيذ، بل يخرج منها المثقل بالحق مخلوعًا من مسكنه، طاردًا للعدالة التي أتت متأخرة.
إن هذا الشطر الأخير، في جوهره، لا ينفي فقط أثر الدعوى، بل يخلق واقعًا قانونيًا مقلوبًا؛ فبدل أن يكون القضاء الموضوعي هو الحاكم في أصل النزاع، يصبح قاضي الأمور الوقتية – وهو قاضٍ لا يُفصل في موضوع الحق – هو السيد الآمر، وحكمه نافذ، لا يُجمّد ولا يُنتظر.
وبمفهوم المخالفة لهذا الشطر الأخير، يتضح أن المشرّع إنما استثنى هذه الحالة تحديدًا من الأثر الوقفي، ما يعني ضمنًا أن في سائر الحالات الأخرى، يجوز أن يُوقف التنفيذ لحين البت في النزاع الموضوعي. فتخصيص هذه الحالة بالنفي يعني جواز الإثبات في غيرها، وهو ما يُفهم قانونًا من السكوت في مواضع والإفصاح في أخرى. وهذا الإجراء الاستثنائي، الذي لا يعرف وقفًا ولا تعليقًا، يُشكّل عدوانًا إجرائيًا على المستأجر، حتى ولو استظهر براءة حيازته أو نفى واقعة الترك أو الامتلاك.
ولما كانت هذه المادة قد حصّنت أمر الطرد ضد الأثر الوقفي، فإن الملاذ الوحيد للمستأجر – بل وسلاحه المشروع – هو المبادرة القضائية الاستباقية؛ فليس من الحكمة أن ينتظر حتى يُباغَت بأمر الطرد، بل عليه أن يسابق الخطر بدعوى يُثبت فيها حيازته الفعلية وعدم تخليه، أو يُفنّد مزاعم المؤجر بامتلاك بديل.
ولذلك، فإن النصيحة القانونية التي لا بد منها، وتُعد اليوم بمثابة واجب الاحتياط لا واجب الدفاع فقط، هي أن يبادر المستأجر أو من امتد إليه العقد، فور صدور القانون، إلى إقامة دعوى موضوعية أمام المحكمة المختصة – ولتكن دعوى عدم تعرض في الحيازة أو دعوى ثبوت علاقة إيجارية وعدم تحقق أسباب الإخلاء – وذلك إذا ما ظهرت مؤشرات أو خلافات توحي بأن المؤجر سيلجأ إلى المادة (7) طلبًا للطرد.
فمن لم يسبقه إلى القضاء، سُبق إلى الباب، ومن لم يطرق المحكمة أولًا، طُرد من بيته تنفيذًا.
بهذه المادة، لا تنتهي فقط عقود الإيجار الممتدة، بل تبدأ معها معركة جديدة على المفاهيم: أيّهما أولى بالضمان؟ الحيازة أم الملكية؟ الاستقرار أم المرونة؟
وأيًا كانت الإجابة، فإن المادة السابعة قد قررت، قبل أن نسأل.
البير انسي
بالنقض
