غياب التوازن العقدي في مشروع قانون الإيجار المزمع: اغتيال لسلطان الإرادة وتجاوز لحدود التدخل التشريعي المشروع

غياب التوازن العقدي في مشروع قانون الإيجار المزمع: اغتيال لسلطان الإرادة وتجاوز لحدود التدخل التشريعي المشروع:-
==========
ليس من شك أن المشرّع حين يتدخل في العلاقات التعاقدية، إنما ينبغي أن يكون تدخّله ضبطًا لا إجهازًا، توجيهًا لا فصمًا، إعمالًا لمبادئ العدل لا إهدارًا لها. وما يُطرح حاليًا من مشروع قانون جديد للإيجار، والذي يستهدف إنهاء علاقات إيجارية قائمة منذ عقود، يكشف عن انحراف تشريعي خطير عن جادة التوازن، ويمثل خروجًا فاضحًا على أصول الفقه الدستوري ومبادئ القانون المدني، وفي مقدمتها مبدأ سلطان الإرادة وحرية التعاقد، وهما عماد أي نظام قانوني سليم.
ذلك أن العقد – كما استقرت عليه كافة النظم القانونية – هو شريعة المتعاقدين، لا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين، أو بنص قانوني له سند دستوري يجيز التدخل تحقيقًا لمصلحة عامة راجحة، تتحقق فيها معايير الضرورة والتناسب والعدالة.
وإذا كان المشرّع قد ارتأى من قبل – في ظل ظروف تاريخية واقتصادية معينة – أن يُقر تنظيمًا استثنائيًا للعلاقات الإيجارية حمايةً للطرف الأضعف، فإن المشروع الحالي يقلب المعادلة رأسًا على عقب، بإعادة تمركز القوة التعاقدية في يد المؤجر دون مراعاة للمتغيرات الاجتماعية، ودون تقديم ضمانات حقيقية للطرف الذي كان – ولا يزال – محل حماية قانونية لعقود طويلة.
فالمشروع لا يكتفي بمجرد تحديد زيادات عادلة أو تنظيم خروج تدريجي للعقود القديمة، بل يفضي – في صيغته الحالية – إلى فصم تعاقدي قسري، يُنهي العلاقة الإيجارية بأداة تشريعية لا تراعي أوضاع المستأجرين الذين لم يختاروا هذا الوضع التعاقدي، بل وُلدوا أو ورثوا ظروفًا فرضها القانون ذاته.
وهذا التدخل ليس فقط خروجًا على مبدأ سلطان الإرادة، بل يُعد عدوانًا تشريعيًا على الحقوق المكتسبة، وإخلالًا بمبدأ الأمن القانوني، وخرقًا للمادة (4) من الدستور التي توجب الحفاظ على مبادئ العدالة الاجتماعية، فضلًا عن المادة (35) التي تكفل الحق في الملكية الخاصة، والمادة (92) التي تمنع المساس بجوهر الحقوق والحريات.
وإذا زعم المشروع أنه يستهدف تحقيق “المصلحة العامة”، فإننا نُذَكّر بأن هذه المصلحة لا تُحدد بإرادة منفردة للمشرّع، بل تُقدّر وفق معايير دقيقة تتطلب وجود ضرر جسيم وداهم لا يمكن دفعه إلا بهذا التدخل. أما إذا كان التدخل نفسه يولّد ضررًا أشدّ مما يتداركه، ويُحدث اضطرابًا اجتماعيًا لا يُحتمل، فإنه لا يُعد تدخلًا مشروعًا، بل افتئاتًا على العقد، وتغولًا على القانون.
إن العدالة لا تتحقق بترجيح كفة على حساب أخرى، بل تقوم على موازنة دقيقة بين الحقوق والواجبات، بين حماية الطرف الضعيف وصيانة حقوق الطرف القوي، بين المحافظة على الاستقرار القانوني والسعي نحو الإصلاح الاجتماعي.
والقانون – في حقيقته – ليس سيفًا بيد الأغلبية، بل ميزانًا يُمسكه قاضي العدالة لا مشرّع السلطة. وحين يختل هذا الميزان، تنكسر قواعد الثقة في التعاقد، ويغدو القانون أداة للتقويض لا للبناء.
ومن ثم، فإن مشروع القانون المزمع، بصيغته الحالية، يحتاج إلى مراجعة جذرية تردّه إلى جادة التوازن العقدي والدستوري. لا بد أن يُعاد النظر فيه من منظور يحترم الإرادة الحرة، ويحافظ على المراكز القانونية المستقرة، ويضمن مخرجًا عادلًا للطرفين، دون إخلال ولا إجحاف، ودون أن يكون الإصلاح عنوانًا للنكوص عن مبادئ العدالة.
=======
البير انسي
بالنقض