الطلاق في المسيحية: الموقف الديني والقانوني في دول ذات أغلبية مسيحية:-
============================
الاختلافات العقائدية بين الطوائف المسيحية حول الطلاق:-
الكنيسة الكاثوليكية:
تُؤكد الكاثوليكية على عدم قابلية الزواج للانحلال باعتباره سرًّا مقدّسًا. فلا تعترف الكنيسة الكاثوليكية بأي طلاق ينهي رابط الزواج الشرعي؛ إذ يُعد الزواج عقدًا لا يُفسخه سوى موت أحد الزوجين. وبناءً على التعاليم الكاثوليكية، لا يجوز للمطلّقين مدنيًا الزواج ثانيةً في الكنيسة ما لم يحصلوا على إعلان بطلان الزواج (annulment) من محكمة كنسيّة تثبت أن الزواج الأول كان باطلًا من الأساس . بعبارة أخرى، القانون الكنسي ذاته لا ينص على الطلاق إطلاقًا، لكنه يتيح إبطال الزواج إذا ثبت وجود مانع جوهري لحظة إبرام العقد يمنع اعتباره زواجًا صحيحًا في نظر الكنيسة . لذلك تُعارض الكنيسة الكاثوليكية تاريخيًّا تشريع الطلاق المدني؛ فقد وصف البابا بيوس الحادي عشر تقنين الطلاق بأنه “تدنيس لمقدس الأسرة وغرس لجرثومة خراب الرفاه المدني” .
الكنائس الأرثوذكسية الشرقية:
تؤمن الأرثوذكسية بأن الزواج رباط مقدّس لكنه قد يُكسر في ظروف استثنائية. تُقر الكنيسة الأرثوذكسية بأنه أحيانًا يكون انفصال الزوجين أفضلاً لحياتهما، ولذا تسمح بقواعد صارمة بالطلاق والزواج الثاني في حالات محدودة مثل وقوع الزنى أو الهجر المطوّل لأحد الشريكين . ورغم سماحها بهذه الحالات، تبقى نظرة الكنيسة أن انهيار الزواج خطيئة وخلل سببه البشر؛ وبالتالي فإن قبول الزواج مرة أخرى يُعتبر تصرف رحمة وتسامح من الكنيسة تجاه الضعف البشري . القواعد الأرثوذكسية أكثر تقييدًا من القوانين المدنية في معظم البلدان ، فعادةً ما يُفرض على المطلق توبةٌ كنسيّة قبل مباركة زواج جديد. تاريخيًّا، تُطبق الكنيسة الأرثوذكسية مبدأً تقليديًا ملخّصه: «تُبارك الزواج الأول، وتُجيز الثاني، وتتحمّل الثالث على مضض، وتحظر الرابع» . كما أن الأرامل مسموح لهم بالزواج مرة أخرى دون عواقب دينية. هذه النظرة تُبيّن أن الأرثوذكسية تعترف بالطلاق كواقع مؤلم ولكنها تقيّده بشروط روحية ولا تشجعه.
الطوائف البروتستانتية:
تختلف مواقف الكنائس البروتستانتية بتنوع مذاهبها، لكن يغلب عليها قدر أكبر من المرونة تجاه الطلاق مقارنةً بالكاثوليكية والأرثوذكسية. كثير من الكنائس البروتستانتية لا تعتبر الزواج سرًا مقدسًا، بل عقدًا يمكن فسخه عند الضرورة؛ لذلك تسمح بعضُها بالطلاق بالاتفاق المتبادل (الطلاق التوافقي) وتجيز للمطلّقين الزواج مرة أخرى . على سبيل المثال، تسمح كنيسة المسيح المتحدة (United Church of Christ) بالطلاق وترتيب زواج ثانٍ للمطلّقين ، في حين أن بعض الجماعات الإنجيلية المحافظة (مثل زمالة الإخوة المينونيت وكنيسة الميثودست الإنجيلية) لا تُبيح الطلاق إلا لعلة الزنى وترفض تزويج المطلّقين مجددًا . عمومًا، تشجّع معظم الكنائس البروتستانتية على استمرارية الزواج واستقرار الأسرة، لكنها تقر بأن الانفصال قد يكون الحل الأخير في حالات سوء المعاملة أو خيانة الأمانة الزوجية وغيرها من الظروف الصعبة. وجدير بالذكر أن القانون المدني في الدول ذات الأغلبية البروتستانتية تأثر بمبدأ الفصل بين الدين والدولة، لذا يُعامل الطلاق كمسألة مدنية بحتة دون الحاجة لموافقة كنسية. وهذا ما جعل تقنين الطلاق أسرع تاريخيًا في المجتمعات البروتستانتية مقارنةً بالكاثوليكية .
انعكاس المواقف الدينية في قوانين الطلاق الوطنية:
إيطاليا (نموذج الدولة الكاثوليكية):
في إيطاليا ذات الأغلبية الكاثوليكية، تأثر القانون المدني تاريخيًا بموقف الكنيسة الرافض للطلاق. ظلّ الطلاق محظورًا قانونيًا في إيطاليا حتى عام 1970 حين أقّر البرلمان أخيرًا قانونًا يبيحه . وحتى عند تشريع الطلاق آنذاك، فُرضت كترضية للكنيسة الكاثوليكية شروطٌ مشددة؛ إذ نص قانون 1970 على فترة انفصال إلزامية مدتها خمس سنوات قبل منح الطلاق النهائي، لمنح الزوجين فرصةً إضافية للتفكير والمصالحة . وقد اعتُبر هذا الشرط انعكاسًا مباشرًا لنفوذ الكنيسة في صياغة القانون. في عام 1987 خُفضت مدة الانفصال إلى ثلاث سنوات ، ثم أقرّت إيطاليا عام 2015 ما عُرف بـ“الطلاق السريع” ليُصبح ممكنًا إنهاء الزواج خلال ستة أشهر فقط (في حالات التراضي) أو سنة واحدة في الحالات الأخرى . يُنظر إلى تقليص المدة عام 2015 كدليل على تراجع تأثير الكنيسة الكاثوليكية على التشريعات والحياة السياسية في إيطاليا .
من الناحية الإجرائية، يخضع الطلاق في إيطاليا للقضاء المدني مثل باقي الدول الغربية. ومع أن الدستور الإيطالي يفصل الدين عن الدولة، إلا أن هناك تعاونًا خاصًا بين القانون المدني والكنيسة الكاثوليكية فيما يخص الزواج. فبموجب اتفاقيات لاتران والفاتيكان، تُسجَّل الزيجات الكاثوليكية في السجلات المدنية تلقائيًا، وتُعطى أحكام المحاكم الكنسيّة بإعلان بطلان الزواج صيغة التنفيذ المدني (exequatur) بحيث تُعادل حكمًا بالطلاق المدني أمام الدولة .
هذا يعني أنه إذا حصل طرفان على إبطال زواجهما من محكمة كنسيّة كاثوليكية (بعد إثبات أسباب بطلان كغياب الأهلية أو الرضا عند العقد)، يمكن اعتماده رسميًا لإنهاء الزواج مدنيًا دون حاجة لإجراءات طلاق إضافية . ورغم هذه الامتيازات الممنوحة للكنيسة، فإن الطلاق المدني مسموح اليوم في إيطاليا بشكل كامل بموجب القانون الإيطالي مع إجراءات مبسّطة نسبيًا مقارنةً بالماضي. لم يعد للقضاء الكنسي دور في منح أو منع الطلاق نفسه، بل يقتصر دوره على الأحوال الشخصية الدينية (مثل السماح بالزواج الكنسي الجديد بعد annulment). وبذلك نرى أن إيطاليا انتقلت خلال عقود قليلة من حظر مدني مطلق للطلاق تحت ضغط الكنيسة، إلى سماحٍ كامل به تحت ضغط المجتمع المدني، مع إبقاء بعض الجسور القانونية للاعتراف بالأحكام الكنسيّة تقديرًا للإرث الكاثوليكي في البلاد.
اليونان (نموذج الدولة الأرثوذكسية الشرقية:-
تُمثّل اليونان حالة متميزة كونها ذات أغلبية أرثوذكسية شرقية وللكنيسة اليونانية الأرثوذكسية مكانة دستور©ية خاصة. تاريخيًّا، كان الزواج الديني هو الصيغة الأساسية للزواج القانوني في اليونان، ولم يُقر الزواج المدني الاختياري إلا عام 1982 ضمن حزمة إصلاحات لقانون الأسرة هدفت إلى علمنة التشريعات ومساواة الجنسين. على الرغم من أن الطلاق كان موجودًا في التقليد اليوناني منذ القدم تبعًا لمبادئ الكنيسة الأرثوذكسية (التي تسمح به في حالات محددة كالزنا)، إلا أن إجراءات الطلاق كانت تتم تحت إشراف قضائي وبتأثير كبير من القانون الكنسي. فقبل إصلاحات القرن العشرين المتأخر، كان يجب عادةً إثبات خطأ جسيم (كخيانة زوجية) أو سبب معترف به كنسيًا للحصول على حكم بالطلاق.
في الوقت الحالي، ينظم القانون المدني اليوناني الطلاق وفق نظامين: الطلاق الرضائي (بالاتفاق المتبادل) والطلاق بالتقاضي القضائي. يمكن للزوجين إنهاء زواجهما باتفاق ودي أمام المحكمة بعد مرور فترة وجيزة (أصبح من الممكن إنهاء الزواج رضائيًا خلال بضعة أسابيع فقط وفق تعديلات حديثة). وإذا تعذّر التراضي، يستطيع أحدهما طلب الطلاق أمام المحكمة متى ثبت أن الزواج تفكك بشكل لا رجعة فيه – كأن يكونا منفصلين فعليًا لمدة عامين متواصلين بحسب القانون اليوناني الحديث. وبذلك تبنّت اليونان مفهوم الانهيار غير القابل للإصلاح كسبب كافٍ للتفريق، مما يجعل نظامها أقرب للنموذج المدني العلماني.
مع ذلك، لا تزال للكنيسة الأرثوذكسية دوريات شكلية وروحية في حالات إنهاء الزواج. فحين يكون الزواج قد تم بمراسم دينية أرثوذكسية، يتوجب للحصول على الوثائق النهائية للطلاق إحضار ما يُعرف بشهادة “حل الزواج الكنسي” من السلطات الكنسية . أي أنه بعد صدور الحكم المدني بالطلاق، تقوم الكنيسة بإصدار وثيقة تُؤكد فسخ الرابط الروحي بين الزوجين (الطلاق الكنسي)، وهي مطلوبة رسميًا لتسجيل الطلاق المدني كاملًا لدى مكاتب الأحوال الشخصية . هذا الإجراء يعني استمرار الاعتراف بتأثير الكنيسة؛ فالدولة اليونانية تُلزم من تزوّج كنسيًا بأن ينهي زواجه كنسيًا أيضًا (من باب احترام النظام العام الديني)، بالرغم من أن القرار النهائي لإنهاء الزواج مدنيًا يعود للمحكمة المدنية وحدها.
من جانب آخر، تسمح الكنيسة الأرثوذكسية اليونانية للمطلّق بالزواج ثانيةً في الكنيسة إذا مُنح طلاق كنسي بموافقة الأسقف، وغالبًا ما يكون ذلك لمرة واحدة فقط (الزواج الثاني)، ونادرًا لمرّة ثالثة وفق القاعدة التقليدية المشار إليها. أما الزواج الرابع فغير مسموح كنسيًا إطلاقًا . ولا يُعتبر هذا تقييدًا قانونيًا على الزواج المدني (إذ يستطيع الشخص الزواج مدنيًا بلا حد مرات)، لكنه يبيّن أن القانون الكنسي الأرثوذكسي ما زال يؤثر ثقافيًا: فالكثير من اليونانيين حريصون على نيل مباركة الكنيسة في زيجاتهم، لذا يلتزمون بإجراءاتها للحصول على طلاق كنسي قبل الإقدام على زواج جديد.
باختصار، القانون المدني اليوناني اليوم يفصل إلى حد كبير بين الشريعة المدنية والكنسية في مسائل الزواج والطلاق؛ فالطلاق المدني متاح نسبيًا وبأسباب موضوعية أو باتفاق الطرفين، مما يواكب المعايير الحديثة لحقوق الأفراد. لكن التراث الأرثوذكسي يظهر في بعض متطلبات الإجراءات وفي استمرار النظرة الاجتماعية التي تضفي احترامًا لموقف الكنيسة. وهذا التأثير المزدوج يُعَدّ امتدادًا لواقع دستوري يُعتبر فيه الإيمان الأرثوذكسي دين الدولة، وإن كانت القوانين نفسها علمانية التطبيق.
الولايات المتحدة الأمريكية (نموذج الأغلبية البروتستانتية في دولة علمانية):-
تُبرز الولايات المتحدة نهجًا مغايرًا، إذ تقوم على مبدأ فصل الدين عن الدولة دستوريًا مما يمنع أي دين من فرض قواعده مباشرةً على قوانين الأسرة. ورغم أن المجتمع الأمريكي ذو جذور مسيحية (غالبيتها بروتستانتية تاريخيًا)، إلا أن القوانين المدنية للزواج والطلاق علمانية بالكامل وتختلف بين ولاية وأخرى وفق التشريعات المحلية.
لا تتطلّب إجراءات الطلاق في الولايات المتحدة أي موافقة دينية أو أسباب دينية؛ فالمحاكم المدنية هي صاحبة الاختصاص الحصري في إنهاء عقود الزواج.
من الناحية القانونية، يُسمح بالطلاق في جميع الولايات الأمريكية، ومع مرور الزمن أصبحت أغلب الولايات تتبنى نظام الطلاق بلا خطأ (No-fault Divorce) الذي لا يشترط إدانة أحد الزوجين بسبب محدد. وقد كانت كاليفورنيا عام 1969 أول ولاية تقرّ الطلاق بلا خطأ، ولحقت بها بقية الولايات تدريجيًا إلى أن أصبحت جميع الولايات الخمسين تطبّق الطلاق بلا خطأ بحلول عام 2010 (حين أقرت نيويورك آخر ولاية هذا المبدأ) . هذا التطور يعكس تقبّلًا قانونيًا واسعًا لفكرة أن انهيار الحياة الزوجية بحد ذاته كافٍ لإنهاء الزواج دون حاجة لإثبات “ذنب” أحد الطرفين. لذا فبإمكان أي من الزوجين في معظم الولايات طلب الطلاق استنادًا إلى “تفكك الزواج” أو “اختلافات لا يمكن تسويتها” بغض النظر عن موقف الآخر.
أما من جهة البدائل والإجراءات: لدى المحاكم الأمريكية أيضًا مفهوم بطلان الزواج المدني (Annulment) ولكنه نادر نسبيًا ويختلف عن المفهوم الكنسي. يمكن للمحاكم إعلان بطلان الزواج مدنيًا إذا ثبت مثلا وجود تزوير أو عدم أهلية قانونية أو زواج باطل (كالتعدد أو نقص السن القانوني)، فيعامل كأن لم يكن منذ البداية. هذه الإجراءات لا ترتبط بالكنائس بل تُطبق على جميع المواطنين بغض النظر عن ديانتهم. وبالتالي، إذا حصل شخص كاثوليكي مثلًا على بطلان زواج كنسي من أسقفيته، فعليه أيضًا التقدّم للمحكمة المدنية بطلب طلاق أو إبطال مدني للحصول على الاعتراف القانوني؛ فلا تعترف السلطات المدنية الأمريكية تلقائيًا بقرارات المحاكم الدينية بسبب مبدأ الفصل بين السلطتين.
على الصعيد الاجتماعي، تأثرت الثقافة الأمريكية البروتستانتية بفكرة أن الزواج عقد مدني يمكن إنهاؤه عند الضرورة، رغم وجود تيارات بروتستانتية محافظة ما زالت تُلقي باللوم الأخلاقي على الطلاق وتنصح بالسعي للمشورة والإصلاح قبل المضي فيه. لكن هذه المواقف لا تنعكس في القانون؛ إذ يتمتع الأزواج في الولايات المتحدة بحرية طلب الطلاق قانونًا متى استوفوا شروط الولاية (مثل الإقامة لفترة محددة أو فترة انفصال وجيزة في بعض الولايات). كذلك لا تفرض الدولة قيودًا على حق الزواج مجددًا بعد الطلاق سوى الانتظار حتى صدور الحكم النهائي وتلبية أي متطلبات إجرائية بسيطة (مثل فترات انتظار قصيرة في بعض الولايات). وخلافًا للدول ذات التأثير الكنسي، لا يوجد في الولايات المتحدة مفهوم قانوني يمنع المُطلّقين من الزواج ثانية سوى ما تحدده حالتهم المدنية الفردية.
وباختصار، تمثل الولايات المتحدة نموذجًا لدولة ذات تقاليد بروتستانتية ولكن بقوانين مدنية بحتة في مسائل الزواج والطلاق. ورغم أن مبادئ بعض الكنائس البروتستانتية تؤثر أخلاقيًا على أتباعها في موضوع الطلاق، فإنها لا تؤثر تشريعيًا على إتاحة الطلاق الذي أصبح إجراءً ميسّرًا تحكمه اعتبارات مدنية (كحقوق الطرفين والأطفال وتقسيم الممتلكات) بعيدًا عن أي اشتراط ديني.
الفلبين (نموذج الدولة الكاثوليكية ذات التشدد القانوني:-
تُمثّل الفلبين حالة فريدة في العصر الحالي، فهي الدولة الوحيدة ذات الغالبية المسيحية في العالم التي تحظر الطلاق تمامًا في قوانينها الوطنية (إلى جانب دولة الفاتيكان) . يعكس هذا الوضع التأثير العميق للتعاليم الكاثوليكية في المجتمع والقانون الفلبيني؛ حيث ينص المبدأ الدستوري في الفلبين على قدسية الحياة الأسرية وواجب الدولة في حمايتها وتعزيزها . بالفعل، لا توجد أي وسيلة قانونية في الفلبين لإنهاء زواج صحيح قائم سوى عبر إعلان بطلان الزواج بحكم قضائي أو التفريق القانوني (Legal Separation). ولا يقر القانون الفلبيني مفهوم “الطلاق” المدني المعتاد كما في بقية دول العالم .
بدلًا من الطلاق، يتيح القانون ما يسمى دعاوى بطلان الزواج أو فسخه بحكم محكمة مدنية. هذه الدعاوى أشبه بالـannulment في المفهوم الكاثوليكي، إذ تفترض أن الزواج باطل من الأساس لخلل جوهري لحظة انعقاده. من أمثلة الأسباب التي تقبلها المحاكم الفلبينية للحكم ببطلان الزواج: أن يكون أحد الزوجين قاصرًا وقت الزواج أو فاقد الأهلية العقلية، أو وقوع تزوير أو إكراه في العقد، أو اكتشاف عجز جنسي أو مرض خطير مُخفى، وكذلك ما يُعرف بـ**“العجز النفسي”** لأحد الطرفين عن تحمل مسؤوليات الزواج . هذا السبب الأخير (الاضطراب النفسي الخطير) كثيرًا ما يُستخدم في المحاكم وهو مستوحى من القانون الكنسي الكاثوليكي (قريب من مفهوم العجز النفسي في قانون الكنيسة) . وبحكم عدم وجود طلاق، فإن الحكم ببطلان الزواج هو الذي يسمح للطرفين بالزواج مجددًا مدنيًا، على اعتبار أن الزواج الأول لم يكن صحيحًا ابتداءً.
أما التفريق القانوني فيُتيح للزوجين الانفصال جسديًا وماليًا دون إنهاء الرابطة الزوجية رسميًا؛ أي يبقى الزوجان على الورق متزوجين ولا يجوز لأي منهما الزواج بشخص آخر خلال فترة الانفصال . التفريق مسموح في حالات محددة جدًا مثل الاعتداء الجسيم أو الخيانة أو الهجر، ولكنه لا يتيح الحرية للزواج الثاني .
تجدر الإشارة إلى أن للفلبين قانونًا خاصًا بالأحوال الشخصية لمسلميها (حيث يشكّل المسلمون أقلية معترف بها). فقد صدر عام 1977 قانون مدوَّنة الأحوال الشخصية الإسلامية الذي يُبيح الطلاق بين الزوجين المسلمين وفق الشريعة الإسلامية . هذا الاستثناء القانوني محصور بالمسلمين الفلبينيين أو من يتزوج وفق طقوس إسلامية، ولا ينطبق على بقية السكان الخاضعين للقانون المدني العام . وبالتالي، فعلى المستوى الوطني ولجميع الفلبينيين المسيحيين وغير المسلمين، يبقى الطلاق محظورًا قاطعًا.
إن هذا الوضع التشريعي النادر يعود بشكل كبير إلى الثقل السياسي والاجتماعي للكنيسة الكاثوليكية في الفلبين. فلا تزال الكنيسة هناك تصرّ على أن تشريع الطلاق يقوّض قدسية الأسرة واستقرارها، وقد وصفته القيادة الكنسية بأنه “ضد الأسرة وضد الزواج وضد مصلحة الأطفال” . وقد دأب مجلس الأساقفة الكاثوليك بالفلبين (CBCP) على مقاومة محاولات تقنين الطلاق، معتبرًا إياه خيانة للمبادئ الدستورية التي تجعل الأسرة أساس المجتمع . ورغم الضغوط المجتمعية الناتجة عن معاناة بعض الأزواج في زيجات فاشلة، بقيت جهود تمرير قانون يسمح بالطلاق تواجه عقبات كبيرة. فعلى سبيل المثال، نوقشت عدة مشاريع قوانين في البرلمان الفلبيني خلال السنوات الأخيرة، وأحرز أحدها (المسمى “قانون الطلاق المطلق”) تقدمًا غير مسبوق حين أقره مجلس النواب في قراءة نهائية في عام 2023–2024 . لكن حتى مطلع عام 2025 لم يُعتمد قانون للطلاق بعد، وما زال بحاجة لموافقة مجلس الشيوخ وتوقيع الرئيس ليصبح نافذًا . يُظهر هذا الواقع أن المعارضة القوية من الكنيسة الكاثوليكية والقطاعات المحافظة كفيلة بتأجيل أي تغيير تشريعي يتعارض مع العقيدة الكنسية التقليدية.
في ظل غياب الطلاق، يلجأ العديد من الفلبينيين عمليًا إلى حلول أخرى: فالبعض يعيشون منفصلين دون إنهاء رسمي للزواج، والبعض يسعون إلى الحصول على بطلان كنسي ثم مدني (رغم أن إجراءات المحاكم مُكلفة وطويلة نسبيًا)، أو حتى يسافرون إلى دول أخرى للحصول على طلاق مدني هناك. ومع ذلك، لا يعترف القانون الفلبيني عمومًا بالطلاق الأجنبي إذا كان الطرفان فلبينيين وقت الزواج، مما يعني أن العودة للوطن ستبقي حالتهم الاجتماعية “متزوجًا” رغم طلاقهم الخارجي. هناك استثناء محدود أقرته المحكمة العليا يسمح بالاعتراف بطلاق أُجرِي في الخارج إذا كان أحد الزوجين أجنبي الجنسية وقت الطلاق، حفاظًا على حقوق المواطن/ة الفلبيني/ة في الزواج مجددًا . لكن هذه الاستثناءات لا تغيّر الصورة العامة وهي أن الفلبين تُعتبر من أكثر الدول تأثرًا بتعاليم الكنيسة في قانون الأسرة. فبينما انفردت تاريخيًا دول كاثوليكية عدة بمنع الطلاق (كإيرلندا التي شرعته عام 1996 ومالطا التي شرعته عبر استفتاء عام 2011)، تبقت الفلبين وحدها اليوم في هذا الموقف المتشدد .
خلاصة:
عبر الأمثلة أعلاه يتضح مدى تباين انعكاس الموقف المسيحي من الطلاق على القوانين المدنية. في المجتمعات الكاثوليكية التقليدية (كإيطاليا والفلبين)، نجد تأثيرًا تشريعيًا قويًا لعقيدة عدم انحلال الزواج تمثل في تأخير إباحة الطلاق أو منعها كليًا، مع التركيز على بدائل كالبطلان. أما في البيئات الأرثوذكسية (كاليونان)، فالقانون يعترف بالطلاق لكن بإجراءات متأثرة بروحانية الكنيسة التي تجيز الانفصال مراعاةً لظروف خاصة مع فرض توبة. وفي المجتمعات ذات الخلفية البروتستانتية أو العلمانية القوية (كالولايات المتحدة)، يغلب أن القانون يتعامل مع الزواج باعتباره عقدًا مدنيًا قابلًا للفسخ برغبة الأطراف، دون التقيد بموقف كنسي. ورغم هذا التباين، تشترك معظم الدول ذات الأغلبية المسيحية اليوم في إتاحة شكل من أشكال إنهاء الرابطة الزوجية قانونيًا – سواء سُمّي طلاقًا أو فسخًا – مراعاةً لحقوق الأفراد وواقع الحال، مع تفاوت كبير في مدى تأثير القانون الكنسي على القانون المدني من دولة لأخرى وفق تركيبتها الدينية والثقافية .
—————-
البير انسي
بالنقض
