إن الأصل الدستوري المستقر في مصر هو محاكمة المدني أمام قاضيه الطبيعي وأمام محاكمه العادية، وحظر إخضاعه لقضاء استثنائي أو خاص. وقد أكد الدستور المصري صراحة هذا المبدأ؛ حيث حظر إنشاء المحاكم الاستثنائية أو محاكمة أي شخص إلا أمام قضاته الطبيعيين . من ثم فإن إسناد محاكمة شخص مدني إلى محكمة عسكرية يمثل وضعًا استثنائيًا لا يجوز التوسع فيه، بل يجب التقيد فيه بنصوص الدستور والقانون على نحو صارم.
وفي هذا الصدد، تنص المادة 204 من دستور جمهورية مصر العربية (دستور 2014) – التي عُنيت بتنظيم ولاية القضاء العسكري – على مبدأ عام وفحواه أنه لا يجوز محاكمة المدني أمام القضاء العسكري إلا في حالات حصريّة محددة على سبيل الاستثناء. وقد عددت المادة 204 على سبيل الحصر الجرائم التي تجيز محاكمة المدنيين عسكريًا كالآتي:
•الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على المنشآت العسكرية أو معسكرات القوات المسلحة أو ما في حكمها أو المنشآت التي تتولى حمايتها .
•الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على المناطق العسكرية أو الحدودية المقررة كذلك .
•الجرائم المتعلقة باعتداء على معدات أو مركبات أو أسلحة أو ذخائر القوات المسلحة .
•الجرائم المتعلقة باعتداء على وثائق أو أسرار القوات المسلحة العسكرية أو أموالها العامة أو المصانع الحربية .
•الجرائم المتعلقة بالتجنيد وأداء الخدمة العسكرية الإلزامية .
•الجرائم التي تمثل اعتداءً مباشرًا على ضباط القوات المسلحة أو أفرادها بسبب تأدية أعمال وظائفهم .
جنبًا إلى جنب مع القيد الدستوري المتقدم، فإن القانون نفسه (قانون القضاء العسكري رقم 25 لسنة 1966 وتعديلاته) يرسم نطاقًا ضيقًا لاختصاص القضاء العسكري بمحاكمة المدنيين. فقد تبنى القانون معيارين للاختصاص: أولهما شخصي يتعلق بالصفة العسكرية للمتهم، والثاني موضوعي يتعلق بطبيعة الجريمة وأثرها على القوات المسلحة . وفي إطار المعيار الشخصي، الأصل أن الأشخاص غير الخاضعين للنظام العسكري (أي المدنيين) لا يمثلون أمام القضاء العسكري. بل حتى في المعيار الموضوعي، قصر القانون امتداد الولاية العسكرية على طائفة محددة من الجرائم الخاصة بأمن وسلامة القوات المسلحة ومصالحها المباشرة . وفي هذا السياق، أكد نص المادة 7/فقرة 2 من قانون القضاء العسكري القاعدة الآتية: تسري أحكام القانون العسكري على الجرائم التي يرتكبها الأشخاص الخاضعون لأحكامه إذا لم يكن فيها شريك أو مساهم من غير الخاضعين لأحكام هذا القانون . وهذا يعني بعبارة واضحة أنه متى وُجد طرفٌ مدني (غير خاضع للنظام العسكري) مساهمٌ في الجريمة، تنتفي ولاية القضاء العسكري عليها. فاشتراك المدني مع العسكري يخرج الواقعة من نطاق التطبيق المعتاد لقانون القضاء العسكري، وتصبح الجريمة من اختصاص القضاء العادي صاحب الولاية العامة. وبتطبيق ذلك على دعوانا نجد أن وجود المتهم الرابع (وغيره من المتهمين المدنيين) كأطراف في الواقعة يزيل الأساس القانوني لأي اختصاص عسكري، عملاً بمفهوم المادة 7/2 سالفة الذكر. فوجود شريك مدني يوجب خضوع الدعوى برمتها للقضاء العادي المختص.
فضلاً عما سبق، تجدر الإشارة إلى نص آخر مهم في قانون القضاء العسكري يؤكد حرص المشرّع على عدم محاكمة المدنيين عسكريًا خارج الحالات الاستثنائية المرتبطة تمامًا بالخدمة العسكرية. فقد أضاف المشرّع المادة 8 مكررًا (أ) بالقانون رقم 12 لسنة 2014، التي وسعت اختصاص القضاء العسكري ليشمل – بصورة حصرية – بعض الجرائم الخطيرة (كجرائم الأمن القومي والرشوة والكسب غير المشروع) إذا ارتكبها ضباط القوات المسلحة أثناء خدمتهم ولو اكتُشف أمرها بعد تقاعدهم . بيد أن المشرع نفسه وضع ضابطًا جوهريًا لذلك الاختصاص المستحدث بأن نص صراحةً في الفقرة الأخيرة من المادة 8 مكررًا (أ) المذكورة على أنه: “…وفي جميع الأحوال تختص النيابة العسكرية دون غيرها ابتداءً بالتحقيق والفحص، فإذا تبين لها أن الواقعة لا علاقة لها بالخدمة العسكرية، أحالتها إلى جهة الاختصاص” . هذا النص بالغ الدلالة، إذ يوجب وجوبًا إعادة القضية إلى النيابة العامة (والقضاء المدني) متى تبين انتفاء الصلة بين الجريمة وبين الخدمة أو المصلحة العسكرية.
ومما يجدر ذكره في هذا السياق، ما قررته المحكمة الدستورية العليا المصرية ذاتها بشأن حدود ولاية القضاء العسكري. فقد قضت المحكمة الدستورية بأن المحاكم العادية هي المختص الأصلي بنظر قضايا الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العام، وأن اختصاص المحاكم العسكرية بشأنها ليس إلا اختصاصًا استثنائيًا يُمارس في الحدود المقررة قانونًا . وهذا ما أكدته أيضًا محكمة النقض المصرية، التي سار قضاؤها على أن الأصل هو اختصاص القضاء العادي بالجرائم عامةً، وأن إسناد بعضها إلى القضاء العسكري يجب أن يتم وفق ضوابط المشروعية الدستورية وعلى سبيل الاستثناء . وتُبيّن هذه الأحكام القضائية العليا أن أي شك في تفسير نطاق المادة 204 من الدستور أو تطبيق قانون القضاء العسكري يجب أن يُحسم لصالح اختصاص القضاء المدني (القاضي الطبيعي) باعتباره صاحب الولاية العامة، ولصالح حقوق المتهم في التقاضي أمام قاضيه الطبيعي وكفالة ضمانات المحاكمة العادلة.
البير انسي
بالنقض
